لماذا يدخر الفلسطينيون في الذهب؟
غياب عملة وطنية، وتداول ثلاث عملات في الوقت نفسه، والتقلبات الأمنية والاقتصادية، كلها أسباب جعلت الذهب وسيلة ادخار تقليدية في فلسطين. فالذهب يحمل قيمته عبر العملات، ويمكن بيعه في أي مدينة تقريبًا، ويرتبط بالمهر والأعراس.
وأظهرت أرقام الدمغة هذا الإقبال: فقد دمغت وزارة الاقتصاد الوطني نحو 17.75 طن من الذهب في 2022، بزيادة 93% على متوسط السنوات الخمس السابقة، وعزت الزيادة إلى البحث عن ملاذ آمن في ظل التوترات.
لكن الظروف القاسية تكشف أيضًا الوجه الآخر: ففي غزة تبيع أسر كثيرة ذهبها لشراء الضروريات، ما يعني أن الذهب يؤدي دور مدخر الطوارئ أكثر من دور الاستثمار.
ما صور الادخار المتاحة؟
المشغولات هي الأشيع، وأغلبها من عيار 21 المصنوع محليًا. وميزتها أنها تجمع الزينة والادخار، وعيبها أن المصنعية لا تُسترد عند البيع.
ثم الليرات الذهبية. والتمييز مهم هنا بين المسكوكات الأصلية، مثل الليرة الإنجليزية التي تصدرها دار السك البريطانية بوزن 7.98 غرام من عيار 22، والقطع المصنوعة على طراز الليرات المعروفة. وقد ألزمت تعليمات صادرة في 2023 الصاغة بعدم بيع الليرات دون دمغة ما لم يثبت أنها مسكوكات أصلية.
ثم السبائك عيار 24، ومصنعيتها للغرام أقل من المشغولات. ولم نعثر على صناديق ذهب متداولة أو حسابات ذهب منظمة تقدمها جهات فلسطينية، ومن يتعامل بعقود على سعر الذهب عبر الإنترنت يتعامل بعقود مالية لا بذهب، وخطرها أعلى بكثير.
الشيكل أم الدينار: كيف تؤثر العملة في قيمة الذهب؟
إذا قست مدخراتك بالدينار الأردني، فالذهب يتحرك تقريبًا مع السعر العالمي بالدولار، لأن الدينار مربوط بالدولار عند نحو 0.709. وإذا قستها بالشيكل، فقيمة الذهب تتأثر بأمرين: السعر العالمي، وسعر صرف الشيكل أمام الدولار.
مثال توضيحي: لو ثبت سعر الأوقية بالدولار وضعف الشيكل أمام الدولار، ترتفع قيمة الذهب بالشيكل. ولو قوي الشيكل، تنخفض قيمته بالشيكل حتى لو لم يتغير السعر العالمي.
لهذا يفضل كثير من الأسر تحديد المهور والمدخرات الكبيرة بالدينار أو بوزن الذهب، لأن ذلك يقلل أثر تقلب الشيكل. يعرض موقعنا سعر الغرام بالعملتين: عيار 21 نحو 361.35 شيكل بحسب العملة المختارة.
ما الكلفة الحقيقية للادخار في الذهب في فلسطين؟
الكلفة الأولى هي الهامش المحلي فوق السعر العالمي، الناتج عن قيود توريد الذهب الخام. وقدّره تاجر من نابلس في 2022 بنحو 200 إلى 250 دولارًا للأوقية حينها، وهو رقم قديم يتغير مع الظروف.
الكلفة الثانية هي المصنعية، وذكر تقرير 2022 مثالًا قدره دينارين للغرام. والكلفة الثالثة هي الفرق بين سعر البيع وسعر الشراء عند المحل، ولم نعثر على مصدر مؤرخ لحجمه في فلسطين.
أما الضرائب فالنسبة العامة لضريبة القيمة المضافة 16%، ونقل تقرير صحفي في 2023 عن بيانات وزارة الاقتصاد الوطني أنها لا تُفرض على مبيعات الذهب، مع رسوم دمغ بمتوسط شيكل للغرام. لم نقرأ النص الرسمي لدى وزارة المالية.
كيف تُحسب زكاة الذهب المدخر في فلسطين؟
يعتمد مجلس الإفتاء الأعلى ودار الإفتاء الفلسطينية الذهب أساسًا لنصاب زكاة المال: عشرون مثقالًا × 4.25 غرام = 85 غرامًا من الذهب عيار 24 بسعر السوق المحلي. وتعلن الدار النصاب كل عام بالدينار الأردني، وكان 3,700 دينار في 1443هـ/2022 بحسب موقعها، وذكرت تقارير أن تقدير فبراير 2026 بلغ نحو 7,000 دينار.
فإذا بلغ الذهب المدخر النصاب وحال عليه الحول، تجب فيه الزكاة بنسبة ربع العشر. وتختلف آراء الفقهاء في زكاة الحلي الملبوسة، ويرجع السائل إلى دار الإفتاء في حالته.
بسعر اليوم يقارب النصاب 85 × 412.97 شيكل بالسعر المحسوب من السعر العالمي، والسعر الفعلي في السوق قد يكون أعلى بسبب الهامش المحلي.
التخزين والسيولة والسفر بالذهب
يحتفظ أغلب الناس بذهبهم في المنازل، وهذا خطر حقيقي في ظل الاقتحامات والحروب والنزوح. وفي غزة تحول الذهب إلى وسيلة دفع وادخار في آن واحد مع شح النقد وانهيار الجهاز المصرفي.
أما السيولة فالذهب المدموغ يُباع في المحلات بسعر الشراء بعد فحصه، والفاتورة والدمغة تسهّلان البيع. وفي ظروف الأزمات قد يتسع الفرق بين البيع والشراء، وقد يصعب البيع بسعر عادل.
ومن يعبر جسر الملك حسين إلى الأردن يخضع للقاعدة الأردنية: التصريح عن النقد والمعادن الثمينة التي تزيد قيمتها على 10,000 دينار أو ما يعادلها. ولم نتحقق من القواعد المطبقة على الجانب الآخر من المعبر.
ما المخاطر التي ينبغي معرفتها؟
خطر السعر: الذهب يتقلب عالميًا، وقد سجلت الأوقية مستوى قياسيًا تجاوز 5,600 دولار في أواخر يناير 2026 بحسب تقارير ثم تراجعت بفارق كبير. وخطر العملة لمن يقيس مدخراته بالشيكل. وخطر الهامش المحلي، فمن يشتري بهامش مرتفع ويبيع حين يضيق الهامش يخسر الفرق.
ثم خطر الغش في القطع غير المدموغة والليرات المصنوعة التي تباع على أنها أصلية، وخطر التخزين المنزلي في الظروف الأمنية، وخطر العقود المالية على الذهب التي تُعرض عبر الإنترنت دون ترخيص واضح.
معرفة هذه المخاطر لا تعني تفضيل خيار على آخر، والقرار يعود لظروف كل أسرة.