كيف كان سوق الذهب في بيروت قبل الحرب؟
كان لبيروت قبل الحرب الأهلية دور إقليمي في تجارة الذهب والمجوهرات، وكانت المجوهرات اللبنانية توزع في المنطقة، وشبّه أحد أعضاء مجلس الأعمال السويسري تجارة الذهب في بيروت حينها بدور دبي اليوم.
وكان في وسط بيروت سوق للمجوهرات من أربعة طوابق، دمّرته الحرب الأهلية بين 1975 و1990. وبعد الحرب أعاد كثير من الصاغة بناء أعمالهم في برج حمود وغيرها من المناطق.
هذا التاريخ يفسر لماذا يعرف لبنان اليوم بالمجوهرات المصممة أكثر من السبائك، ولماذا يحتفظ بمكانة في التصميم رغم الأزمات المتلاحقة.
ما قصة صاغة برج حمود؟
برج حمود منطقة شرق بيروت استقر فيها الأرمن بعد تهجيرهم من الأناضول ابتداء من 1915، وبنوا فيها حرفة صياغة تأثرت كثيرًا بمعلمين قدموا من إسطنبول في الأربعينيات والخمسينيات. وصارت المنطقة بعد الحرب الأهلية مركزًا لورش الذهب.
وقدّرت مسؤولة عن برنامج لإحياء الحرف في 2016 أن في برج حمود نحو 500 ورشة، مع إغلاق كثير منها خلال العقد السابق. وأرجع الصاغة التراجع إلى عدم الاستقرار بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 2005 الذي أبعد السياح والمشترين الخليجيين، وإلى ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، ومنافسة الصين والهند، وخروج المعلمين دون نقل خبرتهم.
وتقول تقارير 2026 إن صاغة المنطقة بين الصمود والإغلاق والهجرة، وإن التراجع بدأ في نظرهم مع انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020، ثم تعمق مع جولات القتال اللاحقة.
من يمثل الصاغة في لبنان؟
توجد في لبنان نقابة لصناعة الذهب والمجوهرات، وتذكر تقارير صحفية أن النقابة التي يفترض أن تضم كل العاملين في القطاع منقسمة منذ الثمانينيات بسبب الحرب الأهلية. ونقلت مجلة إكزكيوتيف عن بوغوص كورديان بصفته رئيسًا لنقابة الصاغة والجوهريين، ونقلت أراب نيوز عن أنطوان مغني بصفته رئيسًا لنقابة المجوهرات.
ولم نعثر على موقع رسمي للنقابة ولا على نشرة أسعار تصدرها، لذلك لا يوجد في لبنان مرجع نقابي يومي للسعر كما في الأردن أو مصر.
وتشكو جمعيات الحرف من غياب سياسات تحدد صفة الحرفي وتحميه، ومن غياب إعفاءات على المواد الخام المستوردة.
كيف يُحدد سعر الذهب في المحلات؟
يحدد كل محل سعره بالدولار انطلاقًا من السعر العالمي للأوقية، مع هامشه ومصنعيته. ولا توجد نشرة يومية رسمية أو نقابية، لذلك قد يختلف سعر الغرام بين محل وآخر.
والليرة اللبنانية مستقرة عند نحو 89,500 ليرة للدولار منذ توحيد السعر في 2024، لكن عادة التسعير بالدولار رسخت خلال سنوات الأزمة حين كانت الليرة تتغير يوميًا. وتظهر الأسعار بالليرة غالبًا للتحويل فقط.
أما السعر المحسوب على موقعنا لعيار 18 فنحو 9,055,916 ليرة، وهو مرجع للذهب الخام قبل الهامش والمصنعية.
كيف أثرت أزمة 2019 على سوق الذهب؟
أفقدت الأزمة المالية التي بدأت في 2019 الليرة نحو 95% من قيمتها، وصنّفها البنك الدولي بين أسوأ الأزمات في العالم. وحُجزت الودائع بالدولار في المصارف، فصار الذهب والدولار النقدي الملاذين المتاحين.
وشهد السوق حركتين متعاكستين: أسر باعت ذهبها للحصول على دولار نقدي، حتى ظهرت طوابير أمام محلات الصاغة في 2022، وأسر أخرى اشترت الذهب لأنها رأت أن الدولار نفسه يفقد قوته الشرائية. وقال صائغ في بيروت في 2024 إن ألف دولار فقدت من قوتها الشرائية خلال عام بينما ارتفعت قيمة الذهب.
وفي جانب الصناعة جعل شح الدولار استيراد المواد صعبًا جدًا في 2020، وأضعف الطلب على المجوهرات.
لماذا يُذكر ذهب مصرف لبنان في كل نقاش؟
يحتفظ مصرف لبنان بنحو 286 طنًا من الذهب، بين 286.3 طن في جداول احتياطيات الذهب الرسمية المبنية على إحصاءات صندوق النقد و286.8 طن في تقديرات صحفية، وهو من أكبر احتياطيات الذهب في المنطقة نسبة إلى حجم الاقتصاد، ويأتي في المرتبة التاسعة عشرة عالميًا. وذكر تقرير في فبراير 2026 أن ما بين ثلث و40% منه محفوظ لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
ويقيد القانون رقم 42 لسنة 1986 التصرف بهذا الذهب، إذ يحتاج المصرف إلى موافقة صريحة من مجلس النواب قبل بيعه. ومع كل نقاش عن خطة التعافي وإعادة الودائع يقترح بعضهم استخدام الذهب، ويرد آخرون بأن البيع صعب سياسيًا وقانونيًا وقد يثير الذعر.
هذا النقاش لا يؤثر مباشرة في سعر الغرام في المحلات، لكنه يفسر رمزية الذهب في لبنان بوصفه آخر ما بقي من ثروة الدولة.
ما الذي يحرك سعر الذهب في لبنان؟
بما أن التسعير بالدولار، فالمحرك الأول هو السعر العالمي للأوقية. أما سعر الليرة فلا يغير السعر الدولاري، بل يغير ما يقابله بالليرة فقط، وهو مستقر منذ 2024.
والمحرك الثاني هو الطلب المحلي: الأعياد والأعراس، والادخار في فترات القلق، وبيع الذهب عند الحاجة إلى السيولة. ويتأثر الطلب أيضًا بالظروف الأمنية، فقد تراجعت الحركة في فترات القتال.
والمحرك الثالث هو هامش المحل والمصنعية، وهما مرنان في غياب نشرة موحدة. لذلك تفيد المقارنة بين أكثر من محل، وبين السعر المعروض والسعر المحسوب.