كيف تشكلت حرفة الصياغة في لبنان الحديث؟
من أبرز روافد الحرفة الأرمن الذين استقروا في لبنان بعد تهجيرهم من الأناضول ابتداء من 1915، وتمركز كثير منهم في برج حمود شرق بيروت. ثم تأثرت الحرفة بمعلمين قدموا من إسطنبول في الأربعينيات والخمسينيات، فاكتسبت ورش برج حمود سمعة في الصياغة الدقيقة.
ونقلت هذه الورش رموزًا من التاريخ الأرمني إلى تصاميمها، وما زال بعضها يصنع لعلامات تجارية محلية ودولية حتى اليوم، رغم التراجع الكبير في عدد الورش.
وإلى جانب الصاغة الأرمن عمل صاغة لبنانيون من مختلف المناطق، وبنوا معًا صناعة اشتهرت بالتصميم والمجوهرات الراقية أكثر من الذهب الخام.
ما العصر الذهبي لتجارة الذهب في بيروت؟
قبل الحرب الأهلية في 1975 كانت بيروت مركزًا ماليًا وتجاريًا للمنطقة، وكانت المجوهرات اللبنانية توزع في الأسواق المجاورة، وشبّه أحد أعضاء مجلس الأعمال السويسري تجارة الذهب في بيروت حينها بدور دبي اليوم.
وكان في وسط بيروت سوق للمجوهرات من أربعة طوابق يجمع التجار والصاغة. لكن الحرب الأهلية بين 1975 و1990 دمّرته، فانتقل كثير من الصاغة إلى برج حمود ومناطق أخرى وأعادوا بناء أعمالهم.
وبعد الحرب عادت الحركة جزئيًا، لكن عدم الاستقرار الذي تلا اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 2005 أبعد السياح والمشترين الخليجيين، ولم يستعد القطاع عافيته بعدها بحسب صاغة.
ما قصة ذهب مصرف لبنان؟
يحتفظ مصرف لبنان بنحو 286 طنًا من الذهب، بين 286.3 طن في جداول احتياطيات الذهب الرسمية المبنية على إحصاءات صندوق النقد و286.8 طن في تقديرات صحفية، في المرتبة التاسعة عشرة عالميًا، وهي كمية كبيرة جدًا نسبة إلى حجم الاقتصاد. وذكر تقرير في فبراير 2026 أن ما بين ثلث و40% منها محفوظ لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وفي 1986، في خضم الحرب الأهلية، صدر القانون رقم 42 الذي يقيد التصرف بهذا الذهب، إذ يحتاج المصرف إلى موافقة صريحة من مجلس النواب قبل بيعه. وبقي هذا القانون حاجزًا أمام استخدام الذهب في كل الأزمات اللاحقة.
وفي نقاشات 2026 عن خطة التعافي وإعادة الودائع اقترح بعضهم بيع جزء من الذهب، ورد آخرون بصعوبة ذلك سياسيًا وقانونيًا وبخطر إثارة الذعر وهروب الأموال.
كيف تغير سعر الليرة وأثر ذلك على الذهب؟
ثبّت مصرف لبنان سعر الصرف عند 1,507.5 ليرة للدولار منذ ديسمبر 1997، وبقي هذا السعر الرسمي نحو 25 عامًا. وكان الذهب بالليرة خلال تلك الفترة يتبع السعر العالمي فقط.
ثم بدأت الأزمة في 2019، فخسرت الليرة نحو 95% من قيمتها، وتجاوز سعر الدولار في السوق الموازية 40 ألف ليرة في مرحلة ما. وفي فبراير 2023 غيّر المصرف السعر الرسمي إلى 15,000 ليرة، أي خفضًا بنحو 90%، ثم إلى 89,500 ليرة في يناير 2024.
بالحساب البسيط، صار غرام الذهب يساوي بالليرة نحو ستين ضعف ما كان يساويه بالسعر القديم حتى لو بقي سعره بالدولار ثابتًا. لهذا انتقلت المحلات إلى التسعير بالدولار، وبقيت الليرة عملة عرض.
ماذا حدث لسوق الذهب بعد 2019؟
حجز الودائع جعل الذهب والدولار النقدي الملاذين الوحيدين للمدخرين. فباع كثيرون ذهبهم للحصول على دولار نقدي، ونقلت الصحف في 2022 طوابير أمام محلات الصاغة، بينما اشترى آخرون الذهب لحفظ قيمة مدخراتهم.
وفي 2020 جعل شح الدولار استيراد المواد صعبًا جدًا على الصاغة، ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 ليضرب المنطقة القريبة منه، ويرى صاغة برج حمود أن تراجعهم الحاد بدأ منذ ذلك الانفجار.
وتقول تقارير 2026 إن صاغة برج حمود بين الصمود والإغلاق والهجرة بعد جولات القتال الأخيرة، وإن بعض الحرفيين الشباب سعوا إلى الهجرة.
ما مكانة الليرة الذهب في التقاليد اللبنانية؟
الليرة الذهب، وأشهرها الإنجليزية بوزن 7.98 غرام من عيار 22، وحدة ادخار وقياس تقليدية في لبنان. فهي هدية معروفة في الولادة والزواج والمناسبات، وتحفظها الأسر مدخرًا يسهل بيعه.
ويظهر حضورها في أن صندوق الزكاة في لبنان يعبر عن النصاب بالليرات، فيقدره بنحو إحدى عشرة ليرة ذهبية تعادل 85 غرامًا من الذهب الخالص.
ويرتفع الطلب على الذهب قبل الأعياد، وإن تحدث صاغة بيروت في 2024 عن حركة أبطأ من المعتاد بسبب أوضاع المنطقة، وعن زبائن يشترون القطع بقصد الادخار أكثر من الزينة.