كيف أصبحت دبي مدينة للذهب؟
بدأت القصة في الخور. فبحسب سيرة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم المنقولة عن مصادر تاريخية، جرت أعمال تعميق خور دبي بين 1958 و1959، فصار الميناء قادرًا على استقبال سفن أكبر. وفي الفترة نفسها كانت الهند تقيد استيراد الذهب بشدة، فاتسعت الفجوة بين سعره في الخليج وسعره في الهند.
استغل تجار دبي هذه الفجوة: كانوا يستوردون الذهب بصورة قانونية عبر المصارف وبيوت السبائك في لندن، ثم يشحنونه بالسفن الشراعية إلى حدود المياه الإقليمية الهندية، حيث يتسلمه تجار هنود. وتنقل المصادر نفسها أن أونصة الذهب كانت تُباع في أسواق دبي عام 1967 بنحو 35 دولارًا، بينما تُباع في الهند بنحو 68.
وترى الباحثة نيشا ماثيو في دراسة نشرتها مجلة Modern Asian Studies عام 2019 أن تقسيم الهند عام 1947، وانتقال رؤوس أموال تجارية هندية إلى دبي، مفتاح لفهم هذه التجارة، وأن دبي استفادت من فروق الأسعار التي صنعتها القيود الهندية لتنمو مدينة حديثة.
ما علاقة الهند والتولة بتاريخ الذهب في الخليج؟
الصلة بالهند قديمة وعميقة، وتظهر حتى اليوم في وحدات الوزن. فالسبائك التي سادت تلك التجارة كانت في الغالب سبائك العشر تولات، بنقاء يتراوح بين عيار 21 وعيار 24، كما تذكر دراسة ماثيو استنادًا إلى مصادر من تلك الحقبة. وما زالت سبيكة العشر تولات (116.64 غرام) أشهر سبيكة في سوق دبي.
وتشير الدراسة إلى أن دبي وبومباي امتلكتا أكبر أساطيل السفن الشراعية بين موانئ غرب المحيط الهندي في الستينيات والسبعينيات، وأن مصارف مثل البنك البريطاني للشرق الأوسط وبنك دبي الوطني كانت تعمل في دبي في تلك المرحلة.
وترك هذا الإرث أثره في السوق الحديث: عيار 22 المفضل لدى المشترين من جنوب آسيا هو العيار الأكثر حضورًا في محلات الإمارات اليوم، والتولة ما زالت وحدة متداولة إلى جانب الغرام والأونصة.
كيف تطورت عملة الإمارات وما أثر ذلك في سعر الذهب؟
حتى عام 1966 كانت الإمارات التي تكوّن الدولة اليوم تستخدم الروبية الخليجية المرتبطة بالروبية الهندية. وفي 6 يونيو 1966 خفضت الهند قيمة الروبية الخليجية، فتخلت عنها مشيخات الساحل: اعتمدت دبي والإمارات الأخرى ما عدا أبوظبي ريال قطر ودبي، بعد استخدام قصير للريال السعودي، بينما اعتمدت أبوظبي الدينار البحريني.
وفي 1973 أصدرت الدولة الدرهم الإماراتي، فاستُبدل الدينار البحريني في أبوظبي بسعر 10 دراهم للدينار، واستُبدل ريال قطر ودبي في الإمارات الأخرى بالتساوي. وفي 28 يناير 1978 رُبط الدرهم رسميًا بوحدة حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي، مع ارتباطه بالدولار عمليًا في أغلب الوقت، ومنذ نوفمبر 1997 ثُبت سعره عند 3.6725 درهم للدولار.
أثر هذا الربط مباشر: لا تمر الإمارات بموجات تخفيض للعملة تقفز معها أسعار الذهب محليًا كما يحدث في دول أخرى، بل يتحرك سعر الغرام بالدرهم مع سعر الأونصة العالمي بالدولار وحده. ولهذا يكفي معرفة سعر الأونصة اليوم (4,194.39) لحساب سعر الغرام بالدرهم.
كم يملك مصرف الإمارات المركزي من الذهب؟
ينشر مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي قيمة احتياطيه من الذهب بالدرهم في نشرته الإحصائية الشهرية. وبحسب ما نقلته وكالة أنباء الإمارات في مارس 2026، بلغت القيمة 43.051 مليار درهم في نهاية يناير 2026، وهو مستوى قياسي حينها، مقابل 37.902 مليار في نهاية ديسمبر 2025 و24.571 مليار في نهاية يناير 2025.
وبحسب بيانات المصرف المركزي التي نُشرت في أكتوبر 2026، بلغت قيمة الذهب نحو 39.2 مليار درهم في نهاية أغسطس 2026، مقابل 30.3 مليار في أغسطس 2025، أي بزيادة تقارب 29.3%.
هذه الأرقام قيم سوقية تتغير مع سعر الذهب، فلا تعني بالضرورة أن الكمية زادت أو نقصت. ولم نعثر في المصادر الرسمية التي اطلعنا عليها على رقم بالأطنان منشور من المصرف نفسه، والمرجع المناسب للكمية هو إحصاءات صندوق النقد الدولي المالية الدولية.
هل في الإمارات مناجم ذهب؟
لم نجد في المصادر الرسمية ما يشير إلى إنتاج تجاري للذهب من مناجم داخل الإمارات. فمكانة الدولة في هذا المعدن تقوم على التجارة والتكرير والتخزين والتمويل، لا على التعدين.
وتظهر هذه المكانة في الأرقام التي نقلتها وكالة أنباء الإمارات في أكتوبر 2026: نحو 2,750 طنًا من تجارة الذهب الفعلي في الإمارات خلال 2025، وتجارة خارجية للذهب في دبي قاربت تريليون درهم في العام نفسه. ويمر الذهب الخام القادم من دول منتجة عبر مصاف محلية قبل إعادة تصديره أو بيعه في السوق المحلي.
ولهذا ركزت التشريعات الحديثة على مصدر الذهب لا على استخراجه: ففي 2022 نشرت وزارة الاقتصاد لائحة العناية الواجبة للمصادر المسؤولة للذهب، التي تلزم المصافي بتدقيق سلاسل التوريد ورفع تقارير سنوية.
كيف نشأ سوق الذهب في ديرة وتطور حتى اليوم؟
تقدّر غلف نيوز عمر سوق الذهب في ديرة بنحو مئة عام، ومعظم محلاته الحالية يعود إلى نحو أربعة عقود. ومع نمو التجارة نشأت مؤسسات القطاع واحدة بعد أخرى: مجموعة دبي للمجوهرات عام 1996، ومركز دبي للسلع المتعددة بالنظام رقم 4 الصادر في 1 مايو 2002، وبورصة دبي للذهب والسلع عام 2005.
ومرت على السوق محطات لافتة، منها عرض أكبر خاتم ذهبي في العالم بوزن 64 كيلوغرامًا، وإغلاقه مع بداية جائحة كورونا ثم إعادة فتحه في أبريل 2020 بقرار من اللجنة العليا لإدارة الأزمات والكوارث في دبي.
وفي 2018 أُعلن مشروع لتوسعة سوق الذهب ضمن مشروع تطوير ديرة، تحول في يناير 2026 إلى منطقة دبي للذهب. وفي أكتوبر 2026 استعرضت اللجنة العليا لتطوير القطاع الاقتصادي والمالي في دبي توجهات استراتيجية دبي للذهب، التي تهدف إلى تغطية سلسلة القيمة كلها من التوريد والتكرير إلى الحفظ والتمويل والتجزئة.
ما أسماء الحلي الإماراتية التقليدية وكيف تُلبس؟
للحلي الإماراتية القديمة أسماء خاصة لكل موضع من الجسد. ففي تقرير لصحيفة الإمارات اليوم عام 2019، استنادًا إلى حرفيات في مركز الحرف بمعهد الشارقة للتراث: المرية سلاسل ذهبية متفاوتة الأطوال تنتهي بدلاية على شكل هلال، والمرتعشة قلادة عريضة من حلقات صغيرة مربعة تتدلى منها سلاسل تنتهي بلؤلؤة أو حجر كريم، والطاسة قطعة ذهبية مستديرة ثقيلة تغطي أعلى الرأس وجوانبه.
وللأذن الشغاب، وهو قرط مخروطي مزخرف، وللذراع حيول بوالشوك، وهي أساور عريضة سميكة ذات نتوءات مدببة تشبه الشوك. وللأصابع خواتم لكل منها اسم: الجبيرة للإبهام، والشاهد للسبابة، والفتخ خاتم عريض قد يغطي الإصبع كله. والغشوية سوار يتصل بسلاسل إلى خواتم الأصابع.
وتضيف صحيفة البيان أن الطاسة تُعرف أيضًا بالقمة وتُلبس في الأعراس، وأن المنثورة قلادة ثقيلة نسبيًا والمرية أصغر منها وأقل كلفة فكانت أوسع انتشارًا، وأن التعليق، المعروف بالشمروخ، كان جزءًا من مهر العروس ويمتد من خلف الرأس حتى الخصر.
ما مكانة الذهب في المهر والزكاة في المجتمع الإماراتي؟
كان الذهب ولا يزال قلب جهاز العروس. وتذكر صحيفة البيان أن قطعًا مثل الشناف والحقب والطاسة والمرتعشة والفتخ والستمي كانت أساسية لكل عروس، تتلقاها في زفافها وتحتفظ بها. فالذهب في هذا السياق زينة ومدخر للمرأة في آن واحد، ويبقى ملكًا لها.
وفي الزكاة، يرى مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي أن نصاب الذهب عشرون دينارًا شرعيًا، تعادل 85 غرامًا من عيار 24، أو 97.15 غرامًا من عيار 21، أو 113.4 غرامًا من عيار 18، وأنه لا زكاة في الحلي المتخذ للبس والزينة، وأن قيمة النصاب بالدرهم تُحسب بسعر الذهب يوم وجوب الزكاة.
وهكذا يجمع الذهب في الإمارات بين ثلاثة أدوار متصلة: تراث تحفظه الحلي وأسماؤها، وتجارة صنعت مدينة، وسوق حديث يعتمد سعرًا مرجعيًا يوميًا ومعايير تنظيمية لمصادر الذهب.