كيف بدأت علاقة الأناضول بالذهب؟
يقول مجلس الذهب العالمي إن الذهب متجذر في الحياة التركية، وإن تجار مملكة ليديا القديمة في غرب الأناضول كانوا من رواد استعمال العملات الذهبية. أي إن الأرض التي تقوم عليها تركيا اليوم عرفت من أوائل تجارب تحويل الذهب إلى نقد في العالم.
ومع تعاقب الحضارات على الأناضول بقي الذهب أداة للتجارة والزينة والادخار. وفي العهد العثماني صارت إسطنبول مركزًا كبيرًا لتجارة الذهب، ويبقى السوق المسقوف (Kapalıçarşı) فيها شاهدًا حيًا على هذا الدور حتى اليوم.
هذا العمق التاريخي يفسر جانبًا من مكانة الذهب في الثقافة التركية المعاصرة، من الأعراس إلى ادخار الأسرة.
ما قصة الليرة الرشادية؟
الليرة الرشادية (Reşat) عملة ذهبية على الطراز العثماني تحمل طغراء السلطان محمد رشاد، وما زالت تُسك وتباع في تركيا بعلاوة على قيمة الذهب. ووزنها نحو 7.2 غرام من عيار 22 بحسب الصحافة التركية، وتختلف أسعارها بحسب الطغراء وسنة السك. ولم نجد مصدرًا رسميًا لمواصفاتها.
وانتشرت الرشادية خارج تركيا أيضًا، في سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، حيث تُعرف بالليرة الرشادي وتُستعمل في الادخار والهدايا، وإن كانت القطع المتداولة اليوم في بعض هذه الدول مصنوعة محليًا بعيار مختلف.
وهي مثال على كيف يبقى تصميم عملة تاريخية حيًا في السوق بعد زوال الدولة التي أصدرتها، بوصفه رمزًا للقيمة لا عملة متداولة.
ما القطع الذهبية الجمهورية؟
بعد قيام الجمهورية التركية صارت دار السك (Darphane)، التابعة اليوم لوزارة الخزانة والمالية، تسك القطع الذهبية الجمهورية، وكلها من عيار 22. وأشهرها الربع والنصف والليرة الكاملة والليرتان ونصف والخمس ليرات، بنسختي الزينة (ziynet) والسكة (sikke).
وليرة أتا (Ata lirası) هي نسخة السكة من الليرة الكاملة بوزن 7.216 غرام، والاسم نسبة إلى مؤسس الجمهورية. أما نسخة الزينة فوزنها 7.016 غرام، والربع 1.754 غرام.
صارت هذه القطع وحدة اجتماعية للقيمة في تركيا: تُهدى في الأعراس والولادات، وتُدخر، وتُتداول في كل محل صائغ بسعر شبه موحد.
كم ذهبًا تملك الأسر التركية؟
قدّرت دراسة للبنك المركزي التركي نُشرت في أكتوبر 2012 أن نحو 2,200 طن من الذهب كانت في البلاد في 1984، محسوبة من الواردات والصادرات والإنتاج. ويقدر مجلس الذهب العالمي اليوم الذهب المخزن لدى الأسر بنحو 4,500 طن، وتصل تقديرات أخرى إلى 5,000 طن أو أكثر.
هذا الذهب المعروف بذهب تحت الوسادة (yastık altı) صار هدفًا لسياسات متتالية لإدخاله إلى النظام المالي: حسابات الذهب في البنوك منذ 2008، وآلية خيار الاحتياطي التي سمحت للبنوك منذ 2011 بالاحتفاظ بجزء من احتياطياتها ذهبًا، ومشروع جمع الذهب مع مصفاة إسطنبول منذ 2011، وسندات الخزانة الذهبية التي أُعلن عنها في 2017.
وبلغت الودائع الذهبية في البنوك ذروة 253 طنًا في نهاية 2013، ما يدل على أن جزءًا من ذهب المنازل دخل النظام المصرفي فعلًا.
كيف تطور احتياطي الذهب لدى البنك المركزي؟
بحسب مجلس الذهب العالمي، استأنف البنك المركزي التركي تراكم الذهب في 2017، وأضاف صافيًا 468 طنًا حتى منتصف 2024، فبلغ الذهب الرسمي المملوك للبنك المركزي والخزانة 584 طنًا في نهاية مايو 2024، أي 34% من الاحتياطيات، في المرتبة الحادية عشرة عالميًا حينها. وكان البنك أكبر مشترٍ بين البنوك المركزية في الأشهر الخمسة الأولى من 2024.
وتظهر جداول احتياطيات الذهب المبنية على إحصاءات صندوق النقد لمنتصف 2026 نحو 530.6 طن في المرتبة الثانية عشرة، والأرقام تختلف بحسب ما يُحتسب فيها، إذ يتحرك جزء من الرقم مع ذهب البنوك المحتفظ به احتياطيًا إلزاميًا.
وشهد الاحتياطي تقلبات حادة، فقد تراجع بوضوح في 2023 قبل أن يعود إلى الارتفاع، كما يظهر في رسم المجلس البياني.
كيف تطور إنتاج الذهب من المناجم التركية؟
أنتجت تركيا 16 طنًا من الذهب في 2010، ثم ارتفع الإنتاج إلى ذروة 42 طنًا في 2020، قبل أن يتراجع إلى 36 طنًا في 2023 بحسب مجلس الذهب العالمي، و32.2 طن في 2024 بحسب جمعية منتجي الذهب التركية.
ومن أخطر محطات القطاع كارثة منجم تشوبلر في 13 فبراير 2024، حين انهارت كتلة ضخمة من كومة الترشيح وطمرت تسعة عمال، وأُخرجت جثة آخرهم بعد 53 يومًا، وأوقف الإنتاج وسُحبت تراخيص الشركة المشغلة. وأعادت الكارثة فتح النقاش عن الآثار البيئية والإنسانية للتعدين.
ويتكرر في تركيا هدف رفع الإنتاج إلى 100 طن سنويًا، لكنه لم يتحقق حتى الآن.
كيف ارتبط الذهب بتراجع الليرة؟
في 2005 حذفت تركيا ستة أصفار من الليرة، فصارت كل مليون ليرة قديمة ليرة جديدة واحدة، بعد عقود من التضخم المرتفع. ثم عادت الليرة إلى التراجع بقوة في السنوات الأخيرة، ويظهر رسم مجلس الذهب العالمي سعر الأوقية بالليرة يتضاعف مرات عدة بين 2018 و2023.
ويقول المجلس إن التضخم المتصاعد والتراجع الحاد لليرة، مع التوترات الجيوسياسية، أطلقا موجة طلب على السبائك والعملات والمجوهرات في 2022 استمرت حتى 2024، وإن الذهب المعاد تدويره تراجع إلى أدنى مستوى منذ عقود لأن الناس احتفظوا بذهبهم.
لهذا يرى كثير من الأتراك في الذهب الوسيلة الأوثق لحفظ القيمة عبر الأجيال، وهي قناعة صنعتها تجارب التضخم المتكررة.