ما علاقة النوبة القديمة بالذهب؟
تمتد بلاد النوبة على النيل بين ملتقى النيلين الأزرق والأبيض قرب الخرطوم والشلال الأول جنوب أسوان، وهي اليوم مقسمة بين مصر والسودان. عبر النوبة حصل المصريون القدماء على الذهب إلى جانب البخور والأبنوس والعاج من أفريقيا المدارية، وصدّر النوبيون الذهب مقابل السلع المصرية.
بعد أن غزت الدولة الحديثة في مصر بلاد النوبة، صارت نبتة مركزًا إداريًا ومنطقة لإنتاج الذهب والبخور، وصارت مصر مصدرًا رئيسيًا للذهب في الشرق الأدنى. وتصوّر بردية تورينو، المؤرخة بنحو 1160 قبل الميلاد، منجم ذهب في النوبة.
وسجّل المؤرخ الإغريقي ديودور الصقلي ظروف العمل القاسية للمستعبدين في تلك المناجم.
كيف ساهم الذهب في صعود مملكة كوش؟
ساعد الوصول إلى مناطق إنتاج الذهب زعامة الكرو على النمو حتى صارت مملكة كوش. وفي القرن الثامن قبل الميلاد غزا الكوشيون مصر بقيادة بعنخي وحكموها بوصفهم الأسرة الخامسة والعشرين، وانتقلت عاصمتهم من كرمة إلى نبتة ثم إلى مروي.
ومن شواهد ثراء كوش بالذهب ما قدمه الملك طهارقا من كميات كبيرة منه لمعبد آمون في كوة. وبعد سقوط الأسرة الخامسة والعشرين في مصر، تراجعت كوش جنوبًا إلى مروي، التي تقع على بعد نحو 200 كيلومتر شمال شرق الخرطوم، واستمرت نحو 900 سنة أخرى.
هذا الإرث يجعل الذهب في السودان جزءًا من تاريخ يمتد أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
كيف صار السودان من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا؟
في العقدين الأخيرين انتشر التعدين الأهلي في معظم ولايات السودان، حتى صار يعمل فيه أكثر من مليوني شخص في 14 ولاية من 18، وينتج نحو 80% من ذهب البلاد. وبلغ الإنتاج ذروته بنحو 107 أطنان في 2017، ثم تراجع إلى 41.8 طنًا في 2018 بحسب الجزيرة نت.
وتختلف الأرقام بحسب المصدر: يذكر تقرير لمعهد تشاتام هاوس أن الإنتاج الرسمي تجاوز 80 طنًا سنويًا بثبات قبل الحرب، بينما تذكر أرقام أخرى 43 طنًا في 2022. والفارق يعود غالبًا إلى ما يُحتسب من التعدين الأهلي وما يُهرَّب.
في 2022 كان الذهب أكبر صادرات السودان غير النفطية بنسبة 46.3% من إجمالي الصادرات، بقيمة 2.02 مليار دولار من 4.357 مليار، بحسب بيانات البنك المركزي التي نقلتها الجزيرة نت.
ماذا فعلت الحرب بالذهب السوداني؟
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 انهار الإنتاج: نحو طنين فقط بين أبريل وأغسطس 2023 بحسب تشاتام هاوس، و6.4 أطنان لكامل 2023 بحسب أرقام نقلتها الجزيرة نت. ثم تعافى إلى أكثر من 64 طنًا في 2024 بحسب الشركة السودانية للموارد المعدنية، أو 73.8 طنًا بحسب مجلس الذهب العالمي، وأعلنت الحكومة نحو 70 طنًا في 2025.
لكن الحرب غيرت الخريطة: تراجعت الولايات المنتجة الخاضعة للرقابة من 14 إلى 6 أو 7، وتقول التقارير إن ولايات دارفور وكردفان خارج سيطرة الدولة. وارتبط الذهب بتمويل أطراف الحرب، وتحدثت تقارير عن نقله عبر دول الجوار.
وتقدّر الشركة السودانية للموارد المعدنية أن 48% من الصادرات تخرج عن سيطرة الدولة.
كيف انهار الجنيه وانعكس ذلك على الذهب؟
في 21 فبراير 2021 خفّض بنك السودان المركزي السعر التأشيري للجنيه من 55 إلى 375 جنيهًا للدولار، ضمن إصلاحات طلبها المانحون وصندوق النقد الدولي، وقال المحافظ يومها إن القرار ليس تعويمًا بل سياسة مرونة مُدارة. كان التضخم قد تجاوز 300% في يناير 2021.
استمر التراجع: 470 جنيهًا في السوق الموازية في يونيو 2021، ثم توقف جدول أسعار البنوك على موقع البنك المركزي عند نحو 600 جنيه في أبريل 2023 مع اندلاع الحرب، وتجاوز الدولار الموازي 7,000 جنيه في سبتمبر 2026.
بهذا صار جرام الذهب الخام، الذي يتبع السعر العالمي بالدولار الموازي، يساوي مئات الآلاف من الجنيهات: نحو 860,000 جنيه في 20 سبتمبر 2026 بحسب سودان تربيون. والسعر المرجعي لعيار 21 اليوم 861,371 جنيه.
ما مكانة الذهب في الزواج والتقاليد السودانية؟
الذهب جزء أساسي من الشيلة، وهي ما تقدمه أسرة العريس للعروس من هدايا، وهو كذلك زينة العروس في مراسم الزواج. ويحتفظ كثير من الأسر بالذهب مدخرًا، فينتقل بين الأجيال، ويُباع عند الحاجة.
ومع تراجع الجنيه صار للذهب دور مزدوج أوضح: زينة اجتماعية ومخزن قيمة. لكن ارتفاع سعره بالجنيه جعل الكميات في الشيلة أصغر، وجعل الأسر أكثر انتباهًا لتوقيت الشراء وسعر الصرف.
ويتولى ديوان الزكاة جمع الزكاة وتوزيعها في السودان، ولم نعثر على بيان حديث منه يحدد نصاب الذهب بالجرام.
كيف تطور تنظيم تجارة الذهب؟
صدر قانون المعادن النفيسة والأحجار الكريمة في 2008، فألزم بدمغ المصوغات والسبائك وحدد العيارات القانونية: 23.5 و21 و18 و14 و12 و9 قيراط. وفي 2020 أُعطيت شركات خاصة امتيازًا في شراء الذهب، ثم جرى تحرير السوق بعد مشكلات ذلك الامتياز بحسب مسؤول سابق في الشركة السودانية للموارد المعدنية.
وفي نوفمبر 2022 أضرب تجار عمارة الذهب في الخرطوم احتجاجًا على التفتيش والرسوم ومنافسة الشركات الخاصة. وبعد الحرب، حصر البنك المركزي التصدير في نفسه في سبتمبر 2025 ثم تراجع، وقررت لجنة الطوارئ الاقتصادية في أغسطس 2025 حصر الشراء والتسويق في جهة حكومية واعتبار حيازة الذهب دون مستندات تهريبًا.
هذا التذبذب بين التحرير والاحتكار سمة ثابتة في تاريخ تجارة الذهب السودانية الحديثة.