لماذا يوصف الذهب بأنه ملاذ آمن؟
الملاذ الآمن أصل يتجه إليه المستثمرون حين يخافون من خسائر في الأصول الأخرى. الذهب لا يعتمد على وفاء دولة أو شركة، ويُقبل في كل الأسواق، ولا يمكن طباعته، لذلك يزيد الطلب عليه عادة في أوقات القلق.
وجدت دراسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو (2021) أن زيادة التشاؤم الاقتصادي لدى الأمريكيين ارتبطت بارتفاع سعر الذهب، ووصف الباحثون الأدلة على دور الملاذ الآمن بأنها داعمة بقوة.
لكن الذهب ليس الملاذ الوحيد. فالدولار وسندات الخزانة الأمريكية يستفيدان أيضًا في أوقات الأزمات، وأحيانًا أكثر من الذهب، كما يوضح قسم لاحق.
كيف تُقاس المخاطر الجيوسياسية؟
من أشهر المقاييس مؤشر المخاطر الجيوسياسية (GPR) الذي طوره الاقتصاديان داريو كالدارا وماتيو ياكوفيلو في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. يصفه الباحثان بأنه مقياس مبني على الأخبار للأحداث الجيوسياسية السلبية والمخاطر المرتبطة بها.
بحسب ورقتهما (المنشورة في 2018 والمنقحة في 2022)، يقفز المؤشر بشدة حول الحربين العالميتين، وفي بداية الحرب الكورية، وأزمة الصواريخ الكوبية، وبعد هجمات 11 سبتمبر. ووجدا أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يسبق انخفاض الاستثمار والتوظيف.
تستخدم أبحاث الذهب هذا المؤشر لقياس استجابة السعر للأحداث، بدل الاعتماد على انطباعات عامة عن كل حرب.
ماذا تقول أبحاث مجلس الذهب العالمي؟
في مقال نشره مجلس الذهب العالمي في 1 أكتوبر 2024، درس الباحثان راي جيا وماريسا سليم البيانات الأسبوعية من يناير 1999 حتى سبتمبر 2024. في الأسابيع التي ارتفع فيها مؤشر المخاطر الجيوسياسية 100% أو أكثر، حقق الذهب عائدًا أسبوعيًا متوسطه 1.6%، بينما تراجعت الأسهم العالمية 0.8% في المتوسط. وذكرا أن الذهب سجل عوائد موجبة في كل تلك الأسابيع تقريبًا، لا في كلها.
وفي تعليق السوق الصادر في 8 يناير 2026، قدّر المجلس أن ارتفاع المؤشر 100 نقطة يترجم على المدى القصير إلى ارتفاع سعر الذهب بنحو 2.5%، وأن الأثر على المدى الطويل يعتمد على استمرار الحدث، مع أن الأحداث الجيوسياسية تميل إلى أن تكون قصيرة الأجل.
وذكر المجلس في التعليق نفسه أن الدولار الأمريكي كان في المتوسط المستفيد الأكبر من قفزات المخاطر الجيوسياسية قبل 2022، وأن الذهب بدا بعد ذلك ملاذ الاختيار الأول.
ماذا حدث للذهب في حرب الخليج عام 1990؟
بحسب مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأمريكية، غزت القوات العراقية الكويت في 2 أغسطس 1990، وبدأت الحرب الجوية والبرية للتحالف في 16 يناير 1991 وانتهت في 28 فبراير 1991.
بحسب المتوسطات الشهرية للبنك الدولي، كان متوسط الأوقية 363 دولارًا في يوليو 1990، ثم 395 دولارًا في أغسطس، أي ارتفاعًا بنحو 9% في شهر الغزو. لكنه عاد إلى 377 دولارًا في ديسمبر 1990، وبلغ 364 دولارًا في فبراير 1991، الشهر الذي انتهت فيه الحرب.
هذا مثال واضح على نمط متكرر: قفزة عند الصدمة الأولى، ثم تراجع حين يصبح الحدث معروفًا ويتضح مساره، حتى قبل انتهاء الحرب نفسها.
وماذا عن 2001 و2022؟
بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 ارتفع متوسط الأوقية الشهري من 272 دولارًا في أغسطس إلى 283 دولارًا في سبتمبر، بحسب البنك الدولي، أي نحو 4%، ثم عاد إلى 276 دولارًا في نوفمبر وديسمبر.
وفي 2022، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وفرض الخزانة الأمريكية في 28 فبراير 2022 حظرًا على التعامل مع البنك المركزي الروسي، ارتفع المتوسط الشهري من 1,816 دولارًا في يناير إلى 1,948 دولارًا في مارس. لكنه انخفض بعد ذلك إلى 1,664 دولارًا في أكتوبر 2022، مع رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة بسرعة، فجاء متوسط العام كله 1,801 دولار مقابل 1,800 في 2021.
أي أن الحرب نفسها استمرت، لكن عوامل أخرى، كالفائدة والدولار، طغت على أثرها في السعر خلال أشهر.
لماذا لا يتكرر أثر الحروب بالطريقة نفسها؟
لأن السعر يتحدد بالمفاجأة لا بالحدث. حين تكون الحرب متوقعة، يدخل جزء من أثرها في السعر قبل وقوعها، وحين تبدأ قد لا يتحرك السعر كثيرًا. ولأن الأزمة نفسها قد ترفع الدولار أو تدفع البنوك المركزية إلى رفع الفائدة لمواجهة التضخم الناتج عنها، فيضغط ذلك على الذهب في الاتجاه المعاكس.
وحجم الحرب ومكانها مهمان. الحروب التي تمس إمدادات الطاقة أو الاقتصادات الكبرى أو النظام المالي قد تحرك الأسواق أكثر من النزاعات المحدودة. ووجد مجلس الذهب العالمي أن أثر الحدث على المدى الطويل يعتمد على استمراره.
وقد يستمر أثر عدم اليقين مدة أطول حين تتوالى الأزمات. ففي تقرير آفاق أسواق السلع في أبريل 2026 ربط البنك الدولي استمرار المعادن النفيسة في تسجيل أرقام قياسية في الأسعار والتذبذب بطلب الملاذ الآمن الناتج عن عدم اليقين الجيوسياسي.
كيف تقرأ أخبار الحروب وسعر الذهب في بلدك؟
في الدول المربوطة عملتها بالدولار، مثل دول الخليج والأردن، يتحرك السعر المحلي مع السعر العالمي تقريبًا. أما في الدول القريبة من النزاع أو التي تتأثر عملتها به، فقد يرتفع سعر الذهب المحلي بسبب تراجع العملة أكثر من حركة السعر العالمي.
وفي أوقات الأزمات قد يتسع الفرق بين سعر البيع وسعر الشراء في المحلات، وترتفع المصنعية مع زيادة الطلب، فلا يحصل المشتري على السعر العالمي نفسه. قارن سعر المحل بسعر اليوم في صفحة بلدك.
القفزات السريعة في أيام الأخبار الكبيرة كثيرًا ما تتراجع لاحقًا، كما في الأمثلة السابقة. هذا المحتوى تعليمي، وليس نصيحة استثمارية.