لماذا يختلف بيع الذهب عن بيع أي سلعة أخرى؟
الأصل في هذه المسألة حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة... مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد". فإذا بيع الذهب بجنس آخر من الأموال الربوية اشترط الفقهاء التقابض في المجلس، وإن جاز التفاضل في المقدار.
وتعامل جهات الإفتاء المعاصرة النقود الورقية معاملة الذهب والفضة في هذا الحكم، لأنها صارت ثمنًا للأشياء ومقياسًا لقيمتها. لذلك يسمى بيع الذهب بالنقود عند الفقهاء صرفًا، وأهم شروطه أن يتسلم البائع الثمن كاملًا ويتسلم المشتري الذهب في المجلس نفسه.
ومن هنا جاء الإشكال في التقسيط: المشتري يتسلم الذهب اليوم ويدفع جزءًا من الثمن لاحقًا، فيتأخر أحد البدلين.
ماذا تقول جهات الإفتاء التي تمنع التقسيط؟
أصدرت دائرة الإفتاء العام في الأردن فتوى رقم 687 بتاريخ 4 مايو 2010 بعنوان "يحرم بيع الذهب بثمن مؤجل"، واستدلت بحديث "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء"، وفسرت "هاء وهاء" بأنه يدًا بيد. ثم أصدرت فتوى رقم 2852 بتاريخ 10 نوفمبر 2013 تمنع بيع الذهب بطريق المرابحة للآمر بالشراء أو بالتقسيط، لأن الثمن يكون فيها مؤجلًا لا ناجزًا.
وفي فتوى رقم 3079 على موقع إسلام ويب، التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر، أن بيع الذهب والفضة بالنقود الورقية مؤجلًا لا يجوز، سواء باعه التاجر للمستهلك أو للحرفي أو العكس، ولا فرق في ذلك بين الذهب المضروب والتبر والمصوغ.
هذا هو القول الذي تعرضه هذه الجهات بوصفه قول جمهور الفقهاء.
ما القول الآخر الذي يجيز بيع الحلي المصوغ بالآجل؟
نقل موقع إسلام ويب في فتوى رقم 112132 قولًا آخر: أن الصياغة المباحة تنقل الحلي من حكم النقد إلى حكم السلعة. ونسب هذا القول إلى ابن القيم الذي قال إن الحلية المباحة "صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع"، وإلى ابن تيمية فيما نقله البعلي في كتاب الاختيارات العلمية من جواز بيع المصوغ بجنسه حالًا أو مؤجلًا، ما لم يُقصد أن تكون الحلية ثمنًا.
وعلى هذا القول يجوز بيع الحلي نقدًا أو بالتقسيط، لأنه خرج عن أحكام الأثمان. ويقيده أصحابه بالحلي المصوغ للاستعمال، ولذلك لا ينطبق عندهم على ما يُقتنى بقصد أن يكون ثمنًا، كما في القيد المنقول عن ابن تيمية.
وعرضت الفتوى نفسها هذا القول بوصفه مخالفًا لقول الجمهور، ورأت الأخذ به سائغًا في حالات تعذر فيها فسخ العقد بعد وقوعه.
هل يجوز الدفع بالشيك أو بالتحويل أو بالبطاقة؟
قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 84 (9/1)، في دورته التاسعة في أبوظبي في أبريل 1995، جواز شراء الذهب والفضة بالشيكات المصدقة، بشرط أن يتم التقابض في المجلس.
أما الدفع بالبطاقات والتحويلات البنكية الفورية وتطبيقات الدفع فلم يتناوله ذلك القرار. والسؤال فيها عند المفتين هو: هل يصل الثمن إلى البائع فورًا بحيث يتحقق القبض الحكمي في المجلس، أم يبقى دينًا مؤجلًا؟ والجواب يختلف باختلاف نوع البطاقة وطريقة التسوية، فيحسن سؤال جهة الإفتاء عن الوسيلة المحددة.
ويلحق بذلك عروض الشراء الآن والدفع لاحقًا التي تقدمها شركات وسيطة، فحكمها مرتبط بتكييف العلاقة بين المشتري والشركة والمحل، ولم نجد فيها قرارًا مجمعيًا منشورًا راجعناه.
ما موقع المعيار الشرعي لهيئة أيوفي من المسألة؟
أصدرت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) معيارًا شرعيًا خاصًا بالذهب، يعرف بالمعيار رقم 57 (الذهب وضوابط التعامل به)، وتعتمد عليه مصارف ومؤسسات مالية إسلامية في منتجات الذهب.
نص المعايير متاح عبر نموذج طلب واشتراك على موقع الهيئة، ولم نتمكن من قراءة نصه الكامل عند إعداد هذا الدليل، لذلك لا ننقل منه بنودًا محددة. من يتعامل مع منتج ذهب من مصرف إسلامي يستطيع أن يطلب من المصرف الفتوى أو المعيار الذي بُني عليه المنتج.
ما الصورة التي لا خلاف فيها؟
الصورة المتفق عليها بين الأقوال كلها أن يدفع المشتري الثمن كاملًا ويتسلم الذهب في المجلس نفسه. فمن لا يملك الثمن كاملًا تذكر له الفتاوى عادة أن يؤجل الشراء حتى يجمع المبلغ، بدل أن يتسلم الذهب ويبقى عليه جزء من ثمنه.
ومن يسأل عن صورة أخرى، كأن يقترض المبلغ من طرف ثالث ثم يشتري نقدًا، أو أن يحجز قطعة بعربون، فالأولى أن يعرض صورته بتفاصيلها على جهة الإفتاء، لأن الحكم يتغير بتغير التفاصيل.
كيف تعرف التكلفة الحقيقية لأي عرض تقسيط؟
بعيدًا عن الحكم الشرعي، عروض التقسيط في المحلات قد تخفي زيادة في السعر. قارن مجموع الأقساط بسعر القطعة نفسها نقدًا في اليوم نفسه، وافصل في الحساب بين قيمة الذهب الخام والمصنعية والضريبة.
اطلب فاتورة تذكر الوزن والعيار وسعر الجرام والمصنعية وعدد الأقساط ومبلغ كل قسط. وتذكر أن سعر الذهب يتغير يوميًا، فالمبلغ الذي تسدده لاحقًا لا يتبع السعر العالمي بل يبقى كما كُتب في العقد.
هذا المحتوى للتثقيف ولا يمثل نصيحة استثمارية.